محمد رأفت سعيد
12
تاريخ نزول القرآن الكريم
بما أوتى من بنين وذرية ، ومنهم من فتن بشهواته المتعددة ، وكانت عاقبتهم هلاكا وخسرانا . والأمة الخاتمة تقرأ كل هذا في صفحة السابقين فيما أوحى به إلى النبي الخاتم صلّى اللّه عليه وسلم : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) [ آل عمران ] . ولكن كيف كلم الله هؤلاء وهم صفوة البشر ؟ . لقد ذكر القرآن الكريم لنا ثلاثا من الصور التي يكلم الله بها من شاء من البشر فقال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) [ الشورى ] . فالصورة الأولى : من تكليم الله لمن شاء من البشر تكون بإلقاء المعنى الذي يريده الله في نفس من شاء ، وهذا معنى الإلهام ، أو الإلقاء في الرّوع ، أو النفث في الرّوع . الصورة الثانية : أن يكلم الله نبيا من أنبيائه من وراء حجاب ، كما كلم الله موسى عليه السلام وناداه ، وسمع موسى نداءه دون أن يراه ؛ لأن الرؤية لا يطيقها البشر ، ومن حكمة الله ولطفه بخلقه أنهم لا يرونه في هذه الدنيا ، وإلا لأمسكهم الخوف فلا يتحركون لعمل أو أكل أو غير ذلك من مقتضيات البشرية ، ويكفى أن يرى الخلق مظاهر القدرة وآيات الإبداع والنظام في مخلوقاته ، فله في كل شئ آية تدل على أنه القادر ، وفي أنفسنا وما بث في أرضنا من دابة ، وما خلق في السماوات آيات تنطق بالحق : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) [ آل عمران ] . على أن المؤمنين سيمتعون إن شاء الله برؤية ربهم في الآخرة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة ] . ولذلك لما طلب موسى عليه السّلام في تكليم الله له أن يرى ربه وقال : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] . وأراه آية العجز البشرى في هذا الجانب وأنه لا يقوى على ذلك ، فقال جل شأنه لموسى عليه السلام : وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] . فالجبل لم يقو على تجلى الله سبحانه له وجعله دكا ، ورؤية موسى عليه السّلام لتجلى